حبيب الله الهاشمي الخوئي
398
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
في الأبدان تارة بزيادة القوّة وتارة بنقصانها حتّى أنّ الوهم ربّما كان سببا لمرض الصّحيح لتوهّمه المرض وبالعكس ، فكان السّبب في ذلّ من غزى في عقر داره وإن كان معروفا بالشّجاعة هو الأوهام . أمّا أوهامهم فلأنّها تحكم بأنّها لم تقدم على غزوهم إلَّا لقوّة غازيهم واعتقادهم فيهم الضّعف بالنّسبة إليه ، فينفعل إذن نفوسهم عن ذلك الأوهام ، وتنقهر عن المقاومة وتضعف عن الانبعاث وتزول غيرتها وحميّتها فتحصل على طرف رذيلة الذّلّ . وأمّا أوهام غيرهم فلأنّ الغزو الذي يلحقهم يكون باعثا لكثير الأوهام على الحكم بضعفهم ومحرّكا لطمع كلّ طامع فيهم ، فيثير ذلك لهم أحكاما وحميّة يعجزهم عن المقاومة . ثمّ إنّه أشار إلى ما قابلوا به نصحه بقوله ( فتواكلتم ) أي وكل كلّ واحد منكم أمره إلى غيره ( وتخاذلتم ) أي خذل بعضكم بعضا ( حتّى شنّت عليكم الغارات ) وصبّت من كلّ جانب دفعة بعد دفعة ( وملكت عليكم الأوطان ) بالقهر والغلبة والعدوان ( وهذا أخو غامد ) سفيان بن عوف الغامدي ( قد وردت خيله الأنبار ) بأمر معاوية اللَّعين الجبّار ( وقد قتل حسّان بن حسّان البكري ) وكان من أصحابه واليا على الأنبار . روى إبراهيم بن محمّد الثّقفي في كتاب الغارات عن عبد اللَّه بن قيس عن حبيب ابن عفيف قال : كنت مع حسّان بالأنبار على مسلحها إذ صبحنا سفيان بن عوف في كتائب تلمع الأبصار منها فها لونا واللَّه وعلمنا إذ رأيناهم أنّه ليس لنا طاقة بهم ولا يد ، فخرج إليهم صاحبنا وقد تفرّقنا فلم يلقهم نصفنا ، وأيم اللَّه لقد قاتلناهم فأحسّنا قتالهم حتّى كرهونا ، ثمّ نزل صاحبنا وهو يتلو قوله تعالى : * ( « فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَه ُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا » ) * ثمّ قال لنا : من كان لا يريد لقاء اللَّه ولا يطيب نفسا بالموت فليخرج عن القرية